30 يونيو 2022 16:10 1 ذو الحجة 1443
المشهد اليمنيرئيس التحرير عبد الرحمن البيل
مقالات

العلامة اليمني الذي أرسى دعائم دولة المسلمين في الأندلس

المشهد اليمني

من الإشراقات الحضارية والإسهامات المعرفية اليمنية التي تم تغييبها تلك الجهود الكبيرة التي بذلها علماء في مشارق الأرض ومغاربها في العالم من جنوب آسيا في الشرق إلى الأندلس في الغرب ، وإذا كان ما مضى مبتدأ فاليكم الخبر :

من الشخصيات اليمانية العلمية التي كان لها دورا كبيرا في إثراء الحركة العلمية في الأندلس والتي سقط إسمها من الكثير من المصادر العلمية والتاريخية العلامة اليماني معاوية بن صالح الحضرمي الذي قام بالكثير من الجهود الكبير لتثبيت دولة عبد الرحمن الداخل في الأندلس ، ويروي العلامة والمحدث الفقيه محمد بن الحارث الخشي المتوفي عام 361هـ الموافق 971م في كتابه ( قضاء قرطبة ) أن هذه الأسرة هاجرت من حضرموت اليمن وشاركت بقوة في الفتوحات الإسلامية وأن محمد بن صالح الحضرمي شقيق العلامة معاوية الحضرمي أستقر في حمص بالشام وأنه ( أي الخشي ) قد سافر من الأندلس إلى بغداد في مهمة علمية وأثناء عودته مر على الشام للاطمئنان على هذه الأسرة ونقل عن أحفاد محمد بن صالح رسالة إلى فرعها في الأندلس وأرد نص هذه الرسالة في كتابه .

وبحسب تراجم المؤرخين فإن العلامة معاوية بن صالح الحضرمي يعد ثاني قضاة قرطبة في عهد إمارة عبد الرحمن الداخل الذي كان يخرج غازياً مع عبد الرحمن الداخل وكان له الفضل في بث الروح المعنوية في الجنود وتذكيرهم بفضائل المجاهدين ومآلهم في الدنيا والآخرة ، ويذكر الخشي في كتابه نقلا عن المؤرخين أن قاضي الجماعة أي معاوية الحضرمي كان بحرا في العلوم شجاعا مقداما ، وأنه انتقل من حمص بالشام إلى الأندلس عام 123 هـ الموافق 741م ووصل إلى أشبيلية واستقر بها وكان أول من أسس مدرسة علم الحديث في الأندلس ورحل إليه الكثير من طلبة العلم .

وقال عنه الذهبي في " سير أعلام النبلاء " : ( هاجر من الشام مع المروانية ، فدخل معهم الأندلس . فلما استولى عليها عبد الرحمن بن معاوية الداخل ولاه قضاء ممالكه، ثم إنه في آخر عمره حج وحدث بالحجاز وغيرها ).

روى عَنْهُ اللَّيْث بْن سعد وَأهل الشَّام ومصر وَقد كتب عَنْهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَعبد الرَّحْمَن بْن مهْدي ويَحيى بن سعيد القَطّان، وعَبْد الله بن صالح كاتب اللَّيث وغيرهم وذكر ابن سعد في الطبقات ترجمة وافية له .

وفي " تاريخ قضاة الأندلس" أنه وصل الأندلس عام 123ه ـ وأستوطن مدينة مالقه ، وبنى بأسفل قصبتها مسجداً هو منسوب حتى الآن له. ثم انتقل إلى إشبيلية؛ فسكنها .

ويذكر المؤرخ أ . د عبد الرحمن الشجاع في كتابه " الوجه الحضاري لليمن " أن العلامة معاوية بن صالح الحضرمي كان ممن قربهم إليه الأمير عبد الرحمن الداخل وكلفه بمهمات خاصة وعامة ، وولاه القضاء وشاركه غزواته لمحاربة الفرنجة أو مناوئيه في الأندلس ، ورحل إلى المشرق للقيام بمهمات للأمير عبد الرحمن وللحج وللرحلة العلمية البحتة .

نقول : لم يكتف العلامة الحضرمي بالدور العلمي والحضاري في الأندلس والانزواء لتدريس الحديث والعلوم الشرعية بل شارك بفعالية في الحياة السياسية والعسكرية وكان محط ثقة الأمير وكبار الناس وعامتهم .

• رسالة إلى أخت الأمير في الشام

ومن المهام الخاصة التي لم يأتمن عبد الرحمن الداخل عليها أحد سوى العلامة الحضرمي اليماني أنه أرسله إلى الشام للمجيء بأخت الأمير من الشام إلى الأندلس وكانت امرأة قوية الشخصية وصاحبة أفضال على الأمير حيث كانت ترسل له المال والرجال من الشام لمساعدته في مهمته فلما أستتب الأمر أرسل الأمير إليها العلامة الحضرمي ومعه بضعة رجال وكتب لها رسالة وبها علامات محددة من أخيها لا يعرفها أحد إلا هي حتى تثق بالرسول ولكنها رفضت السفر ويذكر عددا من المؤرخين منهم الخشي في ( قضاء قرطبة ) صـ 52 وابن الفرضي في كتابه ( تاريخ علماء الأندلس ) 2/ صـ 138 والحميدي في " جذوة المقتبس " صـ 339 أنها اعتذرت عن السفر قائلة : " السفر لا تؤمن أفته وقد كبر سني وأشرفت على انقضاء أجلي ، ولا طاقة بي على شق البحار والقفار وحسبي أن أعلم ما صار إليه أخي من نعمة الله " .

ويذكر ان الفرضي في ( تاريخ علماء الاندلس ) أن العلامة معاوية بن صالح الحضرمي التقى بعد وصوله بالشام بالعلماء وأخذوا عنه ، كما يذكر السيوطي في ( طبقات الحفاظ ) ترجمة رقم 165 أنه التقى بالليث ابن سعد في مصر .

• مسجد العلامة اليماني في مالقه

وقد كان للعلامة معاوية ابن صالح الحضرمي المسجد الكبير في مالقه وكان مقصد طلاب العلم من كل بلاد الأندلس وكان هذا المسجد والمركز العلمي المحيط به مركز اشعاع معرفي وحضاري ، فبعد وصوله إلى الى الأندلس التف حوله المئات من طلبة العلم وتشكلت مدرسة الحديث في الأندلس .

ويذكر المؤرخ أ . د عبد الرحمن الشجاع في كتابه " الوجه الحضاري لليمن " أن العلامة معاوية بن صالح الحضرمي حين قصد الشام للمجيء بأخت الأمير و، وكذلك حين قصد الحج عام 154هـ / 771م " لم تكن رحلته هذه أو تلك رحلة كرحلة أي عابر سبيل وإنما كانت رحلة علمية منتجة التقى فيها مجموعة من العلماء فأخذ عنهم وأخذوا عنه ، فكتب عنه أهل مصر وأهل الشام وأهل مكة والمدينة والعراق " .

ويضيف المؤرخ الشجاع ـ رحمة الله تغشاه ـ : " ولا نشك من أنه قابل علماء من اليمن وسمع منهم وسمعوا منه ؛ لأن مكة والمدينة بالنسبة لليمن بمثابة الشريان الأقرب والذي يوصله بالحركة العلمية في أقاليم دار الإسلام ".

فإذا أضفنا إلى هذا أنه لم يكن في رحلته وحيداً ، بل صحبه لفيف من تلاميذه الذين كانوا معه وصاروا بعد ذلك من كبار أعلام الأندلس في سلك القضاء وفي الحركة العلمية أيضاً ، فتكونت من بعده وعلى نهجه مدرسة علمية احتذاها رجال الحركة العلمية وساروا على منوالها .

وقد ذكر الإمام البخاري أن أئمة الحديث يوثقونه ، وقال الإمام أحمد ابن حنبل هو ثقة ، وقال عنه الذهبي " ثقة إمام " ، وقد بحثت عن كتبه فلم أجد له كتب باقية إلى اليوم ، و عن هذا الأمر قال العلامة الحافظ مسند أهل الأندلس في زمنه ابن أَيْمَن - محمد بن عبد الملك : ( قال لي محمد بن أحمد بن أبي خيثمة: ( لوددت أن أدخل الأندلس حتى أفتش عن أصول كتب معاوية بن صالح، فلما انصرفت إلى الأندلس طلبت كتبه، فوجدتها قد ضاعت بسقوط همم أهلها) .

وذكر الزركلي في " الأعلام " أنه عزل من القضاء في أواخر عمره ، وقد توفي العلامة معاوية الحضرمي في قرطبة عام 158هـ . رحمة الله تغشاه . وفي كتاب " تاريخ قضاة الأندلس " لأبي الحسن بن عبد الله النبهاني المالقي أنه توفي بقرطبة ، ودفن ببقيع ربضها؛ وصلى عليه الأمير هشام بن عبد الرحمن ومشى على قدميه في جنازته والتي كانت من الجنائز المشهودة " .

وإذا كان هذا هو جهد عالم يمني في الأندلس وكاد أن يختفي ذكره من كتب التاريخ ولا يعلم به أهل اليمن فكم لأبناء اليمن من الجهود العلمية والعسكرية والسياسية في الأندلس في الحركة العلمية وفي الفتوحات والمعارك العسكرية وفي الفتوحات في الشام وأفريقيا وفي بلاد الروس وفارس وغيرها ؟!

لا شك أن هناك أسفارا من جهود أبناء اليمن الحضارية قد اندثرت ولم يتم توثيقها لأنهم لم يكن همهم التوثيق بل نشر الإسلام والإسهام الفاعل في الفتوحات ونشر العلوم الشرعية في الغرب والشرف وفي كافة الجهات .

وإني اليوم لأجزم بأن النخبة اليمنية لم تسمع بهذا العلم اليماني الحضرمي ولم تعلم بجهوده فكيف بعامة الناس خاصة وقد تم تغييب هذه الإشراقات الحضارية اليمنية في مناهج التعليم ووسائل الإعلام لأسباب لا تخفى على القارئ الحصيف .

أن أمامنا مهمة علمية تاريخية كبيرة وهي البحث عن هذه الجواهر والدرر ونفض غبار التجاهل والنسيان عنها وتقديمها للقارئ بأسلوب رائع وسرد مشوق ليتعرف على الجوانب التي تم تغييبها من التاريخ اليمني المشرق الحافل بالكثير من الانجازات الحضارية والانسانية .

اليمن الأندلس