30 يونيو 2022 15:30 1 ذو الحجة 1443
المشهد اليمنيرئيس التحرير عبد الرحمن البيل
مقالات

نموذج من علم الحديث والعلل وتتبع الطرق

المشهد اليمني

تعقب الألباني في تصحيحه زيادة لفظة واعتدي بحيضة في عدة المختلعة

من حواشي المقدمة «المقدمة في فقه العصر» (2/ 658):

«أصل الحديث بدون هذه الزيادة الشاذة والمنكرة أخرجه البخاري برقم 5273 عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق، ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته قالت نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة. قلت: أصحاب عكرمة عن ابن عباس الثقات كخالد الحذاء وابن أبي تميمة في صحيح البخاري وقتادة عند ابن ماجة وخالد الحذاء عند النسائي والدارقطني. قلت: فهؤلاء هم الأثبات من أصحاب عكرمة لم يذكروا في القصة زيادة أنها أمرت أن تعتد بحيضة.

وتفرد بهذه الزيادة عمرو بن مسلم وضعفه أحمد والذهبي وابن خراش وابن القطان، وقال ابن معين والنسائي ليس بقوي، وقال في التقريب صدوق له أوهام، وقال ابن معين مرة أضعف من هشام بن حجير. قلت: فلا تقبل هذه الزيادة منه وهي في حكم المنكر لضعفه كما هو مقرر في مصطلح الحديث، وأقل أحكامها أنها شاذة على فرض أنه

= ثقة، وإلا فأين من وثقه؟

فتحسين الترمذي وتصحيح الألباني لهذه الزيادة متعقب وقوله غريب بعدها صحيح؛ لأنه انفراد عن الثقات، وتحسين الترمذي مع استغرابه دليل على التضعيف كما قيل. ويؤيد هذا أن جميع من روى القصة من الصحابة من غير هذا الحديث لم يذكروا أنه أمرها أن تعتد بحيضة.

فمن ذلك ما أخرجه النسائي بسند صحيح برقم 3462 عن عمرة بنت عبدالرحمن أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل أنها: كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه قالت أنا حبيبة بنت سهل يا رسول الله قال ما شأنك قالت لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر فقالت حبيبة يا رسول الله كل ما أعطاني عندي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت خذ منها فأخذ منها وجلست في أهلها. وهي مخرجة في سنن سعيد ابن منصور بسند على شرط الشيخين. وأخرجها أبو داود بسند على شرط الشيخين برقم 1904.

وأخرجه البيهقي كذلك بسند صحيح فجعله عن عمرة عن عائشة ولا مانع أن تكون قد سمعت القصة من عائشة ومن امرأة ثابت. وكذا عند أبي داود برقم 1905 إلا أن في هذه القصة أنها حديقتان. قلت: لعل هذا الوهم من أبي عمر السدوسي لأنه يخطئ من حفظه كما قال الحافظ.

ومما يؤيد عدم الزيادة -أعني أنه أمرها بحيضة- حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند ابن ماجة برقم 2057 قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان رجلا دميما، فقالت: يا رسول الله، والله، لولا مخافة الله إذا دخل علي لبصقت في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال: فردت عليه حديقته، قال: ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يذكر هذه الزيادة. قلت: ومن رواية ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في ذكر القصة ولم يذكر هذه الزيادة التي هي «أن تعتد بحيضة» أخرجه الضياء في المختارة 3980.

قلت: وأخرجه الدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري في قصة أخته ولم يذكر الحيضة، وفيه عطية العوفي ضعيف، والحسن بن عمارة متروك، ومن هذه الطريق قالت: وأزيده. فقال: وزيديه. قلت: وهذه الزيادة منكرة، وخالفه عطاء بسند صحيح مرسلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «أما الزيادة فلا» عند البيهقي برقم 13741، ووصله عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: بسند صحيح إلا أن البيهقي رجح الإرسال. قلت: ويعضده مرسل أبي الزبير المتقدم، وهو صحيح إليه في نفي الزيادة ورد الحديقة ولم يذكر الحيضة.

وحديث أبي الزبير عن ثابت بن قيس عند الدارقطني 3179 بسند صحيح ولم يذكر فيه الزيادة -أعني زيادة الحيضة. قلت: ومع هذا التفرد والشذوذ لهذه الزيادة من عمرو بن مسلم فقد اضطرب، ففي رواية الدارقطني (3181) حيضة ونصفا. فهذه علة أخرى. والعلة الثالثة أن عبدالرزاق رواها عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة

= مرسلا ولم يذكر ابن عباس. قلت: وبهذه العلة أعله الحاكم في المستدرك والذهبي في تلخيص المستدرك (2/ 224) فقال هشام بن يوسف عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة. هذا حديث صحيح الإسناد غير أن عبدالرزاق أرسله عن معمر. وقال الذهبي: صحيح رواه عبدالرزاق عن معمر مرسلا. ثم أورد الحاكم الطريق المرسلة. وأعله أبو داود بنفس العلة برقم 2231، فقال: وهذا الحديث رواه عبدالرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. تنبيه: ثم اطلعت بعد هذا التقرير على تضعيف الذهبي لطريق عمرو بن مسلم عن عكرمة عن ابن عباس «أنها تعتد بحيضة» في تنقيح التحقيق (2/ 208). وسبقه ابن عبدالهادي (4/ 414). وضعفه كذلك ابن حزم في المحلى، وابن دقيق العيد في الإلمام ناقلا إعلال الحاكم مقرا له كما هو معروف عنه.

أما رواية الربيع بنت معوذ بن عفراء في قصة خلع زوجة ثابت بن قيس بن شماس فقد أخرجها غير واحد وهي معلولة فيها زيادة شاذة، والذي يفيده كلام المحدثين أهل العلل والجرح والتعديل أن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير واهية. قال يعقوب بن شيبة: رواية علي بن المبارك عن يحيى ابن كثير خاصة فيها وهاء. قلت: وهذه منها، فإن جميع من روى القصة من الثقات الأثبات لم يذكر زيادة «اعتدي بحيضة» في حديث امرأة ثابت بن قيس، وقد وردت القصة عن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها اختلعت زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأمرت بحيضة، وهذه معلولة أعلها الدارقطني (16/ 56) فقال: لما سئل عن حديث الربيع بنت معوذ، أنها اختلعت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن تعتد بحيضة فقال: رواه الثوري، واختلف عنه؛ فرواه الفضيل بن موسى، عن الثوري، عن محمد بن عبدالرحمن، مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن الربيع بنت معوذ، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وخالفه وكيع؛ فرواه عن الثوري، كذلك، ولم يقل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: فأمرت أن تعتد حيضة، وهو الصحيح.

وأعلها البيهقي في السنن (7/ 450) رقم 16014 وقال بعد إيراده قصتها مع عثمان: وظاهر الكتاب في عدة المطلقات يتناول المطلقة وغيرها فهو أولى.

وأشار النسائي إلى إعلاله حيث أورد الحديث ثم أتبعه بقصة عثمان بن عفان برقم 3498 وهي من طريق ابن إسحاق قال حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن ربيع بنت معوذ قال قلت لها حدثيني حديثك قالت: اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسألته ماذا علي من العدة فقال لا عدة عليك إلا أن تكوني حديثة عهد به فتمكثي حتى تحيضي حيضة قال وأنا متبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه.

قلت: والصحيح من القصة أنها في زمن عثمان كما قرر أهل العلل، والصحيح من القصة في زمن عثمان عدم ذكر زيادة الحيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي من اجتهاد عثمان بن عفان كما قال البيهقي وقد تقدم، والإمام أحمد، قال ابن المنذر: وضعف الإمام أحمد حديث عثمان.

= وقد حسن الحافظ في تغليق التعليق (4/ 460) ط/ المكتب الإسلامي قصة خلعها في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه من غير ذكر هذه الزيادة، بل أنها افتدت بما دون عقاص شعر رأسها.

ثم ذكر شاهدا لها في الموطأ ونقل في الموطأ برقم 1176 عن ابن المسيب وابن شهاب وسليمان بن يسار أنهم كانوا يقولون عدة المختلعة مثل عدة المطلقة ثلاثة قروء. قلت: وبعد هذا التحقيق يتبين ما يلي:

1 - شذوذ ونكارة زيادة «أن تعتد بحيضة» لمخالفة الضعفاء فيها للثقات ولمخالفة كل من روى القصة من الصحابة.

2 - نكارة زيادة «وأزيده»، يعني تزيده على ما أعطاها.

3 - أن أحاديث زيادة «أن تعتد بحيضة» أعلها وضعفها الأئمة الأثبات، منهم الترمذي والحاكم والذهبي والدارقطني والبيهقي وابن عبدالهادي والإمام أحمد وأبو داود وغيرهم، وهو الراجح، فما ذهب إليه البعض من تصحيح هذه الزيادة غير صحيح، وأما العلامة الألباني فقد صحح في هذا الباب جميع الأحاديث المتناقضة من ناحية الفقه فغفر الله له...