5 فبراير 2023 19:40 15 رجب 1444
المشهد اليمنيرئيس التحرير عبد الرحمن البيل
مقالات

عن العزيز اللا(غني) عبد العزيز عبدالغني!

أنور العنسي
أنور العنسي

عندما ذهبت إليه في ديوان محافظ ذمار عند زيارته لها وهو رئيس وزرائها في العهد الأهم من تاريخ اليمن ، عهد إبراهيم الحمدي ، لم تكن هناك حراسة مشددة ولا غير مشددة ، دخلت إلى مجلسه بسهولة.

وضعت بين يديه أنا الطالب في الإعدادية العامة طلباً بالإنجليزية التي كان يتقنها قلت له فيه "إنني أخجل أن أصل إلى عشرينيات عمري قبل أن أتقن الإنجليزية مثلما تتقنها أنت".

وضع الرسالة في جيبه دون كل الأوراق والملفات التي كانت أمامه ، وخلال أسبوع اتصل بي من يقول لي إن رئيس الوزراء يريد مقابلتك .

كان المتصل بي هو حسن اللوزي ، وكيل وزارة الاعلام حينذاك.

وعندما ذهبت اليه ذهبنا معاً إلى عبد العزيز.

وفي مكتبه قال لي "توكل على الله ، وسافر إلى لندن ، هذه تذكرة سفرك ، وهنا خمسمائة دولار وافق الرئيس إبراهيم الحمدي على صرفها لإعانتك على الإقامة في لندن".

وذهبت إلى لندن عبر القاهرة ، وفي العاصمة المصرية أردت أن أصنع مني إسماً قبل الذهاب إلى لندن.

أغتيل أنور السادات ، وحضر الكثير من زعماء العالم لتشييع جنازته ، وكتبت حينذاك مقالاً متواضعاً تساءلت فيه كيف يحضر هذه المناسبة زعماء عالميون ولا يحضرها قادة عرب .. حملت مقالي إلى دار (الأهرام) وطلبت مقابلة الدكتور يوسف إدريس الروائي العظيم المعروف.

عندما وضعت بين يديه مقالتي في رثاء السادات سألني " تعرفه كويس؟" فأجبته "لا ، لكنني أعتقد أن والدي لو لم يكن يعرفه جيداً لما أطلق على إسمه تيمناً به"

نظر إدريس بعينيه الزرقاوينين في عيوني قليلاً ، وقال لي إسمع يا إبني "إنت بتعبِّر عن مشاعرك كويس ، لكن أنا مش هقدر أنشر في الأهرام مقالاً عن الرجل الذي وضع ثلاثة آلاف من عقول مصر في السجن ، وزوجته جيهان راحت تجيب (خوليو ايجلبلياس) الفنان الإسباني الشهير ليغني في ميدان التحرير" ابتهاجاً بتوقيع معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل.

اتصل إدريس بصديقٍ له في جريدة (الجمهورية) وإتفقا على نشر مقالي لديها.

عندما تم نشر المقال قمت بتصويره وأرسلت نسخة منه إلى عبدالعزيز عبد الغني ، وبعدها بأيام جاء عبدالعزيز إلى لندن ، أول سؤال له عن أي أحد كان عني .. ذهبت إليه في فندق (كامبر لاند) وخرجنا في المساء معاً للتمشية في شارع أكسفورد الشهير معاً .. تحدثنا طويلاً ، كان ذلك قبل مقتل إبراهيم الحمدي بأيام ، وبعدها. طوال عقود في عهد خلفه علي عبدالله صالح لم نتحدث (طويلاً) معاً كما تحدثنا في لندن حتى وفاة عبد العزيز!

عندما جاء عبدالعزيز لإلقاء محاضرة في المركز الملكي البريطاني استغرب صديق بريطاني لطول وقت العناق الذي استغرقه العناق بيني وبين عبد العزيز.

كان عبدالعزيز على ما يبدو على علاقة طيبة مع الرجل ، وعندما جلس في مقعده إلتفت إلى صديقه الذي كان يجلس خلفه وقال له "هذا هدية اليمن لبريطانيا" هكذا كان رأيه ولكن لم أكن أتفق معه تماماً ، إتفقت معه أم اختلفت ، لا يهم!

أجابه الرجل الذي لم أعرفه قائلاً "وهدية بريطانيا لليمن".

ما عرفته عن عبدالعزيز هي نقطة محددة ، عرفتها عن بُعد بينما لم يعرفها كثيرون ممن عملوا معه مكانياً عن قربٍ أكثر مني.

تلك النقطة هي أن عبدالعزيز الذي عرفت يتقن فن التظاهر بأنه (لا يعرف) أي شيئ بينما هو (أكثر من يعرف) كل شيئ تقريباً !

بمقدوري أن أقول المزيد للبرهان على ذلك ، لكنني أحترم في عبدالعزيز ما أراده أن يكون ، في مقابل أنه وهو رئيس أكثر من حكومة تركني في حالي لما أردت أن أكون!

كم فقدتُ في رحيل عبدالعزيز صديقاً نبيلاً ، جميلاً ، عدة أصدقاء في صديقٍ واحد ، كما لم أفقد يوماً سواه.

اليمن ذمار بريطانيا هدية